الشيخ السبحاني

389

مفاهيم القرآن

قال : « اكتبوا ولا حرج » . « 1 » وبعد هذه الأهمية البالغة التي أولاها الكتاب العزيز والنبي صلى الله عليه وآله وسلم للكتابة ، أفهل من المعقول أن ينسب إليه انّه منع من كتابة الحديث ؟ ! مع أنّها أحاديث آحاد تضاد الكتاب العزيز والسنّة والسيرة المتواترة ونجلُّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحيلولة دون كتابة السنّة . هذا والكلام ذو شجون وقد أسهبنا البحث حوله في كتاب « الحديث النبوي بين الرواية والدراية » . « 2 » هذا كلّه حول المقسم به . وأمّا المقسم عليه : فقد جاء في قوله سبحانه : « ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون » والمراد من النعمة النبوّة والإيمان ، والباء للسببية أيلست أنت بسبب هذه النعمة بمجنون ، رداً على من جعل نبوّته ونزول القرآن عليه دليلًا على جنونه ، قال سبحانه : « وَإِنْ يَكادُ الَّذينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَما هُوَ إِلّاذِكْرٌ لِلْعالَمين » . « 3 » ويحتمل أن يكون المراد من النعمة كل‌ّما تفضل عليه سبحانه من النعم وراء الإيمان والنبوّة كفصاحته وبلاغته وعقله الكامل وخلقه الممتاز ، فانّ هذه الصفات تنافي حصول الجنون . واحتمل الرازي أن يكون جملة « بِنعْمة رَبّك » مقطوعة عمّا قبله وما بعده ، وانّ وزانها وزان بحمد اللَّه في الجمل التالية :

--> ( 1 ) تقييد العلم : 72 و 73 . ( 2 ) انظر صفحة 12 - 32 من نفس الكتاب . ( 3 ) القلم : 51 - 52 .